أحمد بن علي الرازي

142

شرح بدء الأمالي

--> - أنه لا يحرم عدم الإيمان بالله إلا عند عدم الحض على طعام المسكين . فإن قيل : تحريم مثل هذه الأمور المذكورة في الإلزام قد علم من دليل آخر ، فيجاب بأن تحريم المعازف قد علم من دليل آخر أيضا كما سلف على أنه لا ملجأ إلى ذلك حتى يصار إليه . ورابعهما : أن يكون المراد يستحلون مجموع الأمور المذكورة ، فلا يدل على تحريم واحد منها على الانفراد ، وقد تقرر أن النهى عن الأمور المتعددة أو الوعيد على مجموعة لا يدل على تحريم كل فرد منها ، ويجاب عنه بما تقدم في الّذي قبله . واستدلوا ثانيا بالأحاديث المذكورة في الباب التي أوردها المصنف ، رحمه الله تعالى ، وأجاب عنها المجوزون بما تقدم من الكلام في أسانيدها . ويجاب بأنها تنهض بمجموعها ولا سيما وقد حسن بعضها ، فأقل أحوالها أن تكون من قسم الحسن لغيره ، ولا سيما أحاديث النهى عن بيع القينات المغنيات ، فإنها ثابتة من طرق كثيرة ، منها ما تقدم ومنها غيره ، وقد استوفيت ذلك في رسالة ، وكذلك حديث « أن الغناء ينبت النفاق » ، فإنه ثابت من طرق قد تقدم بعضها وبعضها لم يذكر ، منه عن ابن عباس عند ابن صصرى في أماليه ، ومنه عن جابر عند البيهقي ، ومنه عن أنس عند الديلمي ، وفي الباب عن عائشة وأنس عند البزار والمقدسي ، وابن مردويه ، وأبو نعيم والبيهقي بلفظ : « صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة ، مزمار عند نعمة ورنة عند مصيبة » . وأخرج ابن سعد في السنن عن جابر : أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين ، صوت عند نعمة لهو ولعب ومزامير الشيطان ، وصوت عند مصيبة وخمش وجه وشق جيب ، ورنة شيطان » . وأخرج الديلمي ، عن أبي أميمة مرفوعا : « إن الله يبغض صوت الخلخال كما يبغض الغناء » . والأحاديث في هذا كثيرة قد صنف في جميعها جماعة من العلماء ، كابن حزم ، وابن طاهر ، وابن أبي الدنيا ، وابن حمدان الأربيلى ، والذهبي وغيرهم . وقد أجاب المجوزون عنها بأنه قد ضعفها جماعة من الظاهرية ، والمالكية ، والحنابلة ، والشافعية ، وقد تقدم ما قاله ابن حزم ، ووافقه على ذلك أبو بكر بن العربي في كتابه الإحكام ، وقال : لم يصح في التحريم شيء ، وكذلك قال الغزالي وابن النحوي في العمدة ، وهكذا قال ابن طاهر : إنه لم يصح منها حرف واحد ، والمراد ما هو مرفوع منها ، وإلا فحديث ابن مسعود في تفسير قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وقد تقدم أنه صحيح . وقد ذكر هذا الاستثناء ابن حزم ، وقال : إنهم لو أسندوا حديثا واحدا فهو إلى غير رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا حجة في أحد دونه كما روى عن ابن عباس وابن مسعود في تفسير قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ . . . الآية ، أنهما فسرا اللهو بالغناء . قال : ونص الآية يبطل احتجاجهم لقوله تعالى : لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وهذه صفة من فعلها -